لماذا الاستعانة بالكاتب الخفي ليست تزويرًا؟

9 سبتمبر 2026
نورة
لماذا الاستعانة بالكاتب الخفي ليست تزويرًا؟

تصلنا في "أبان" الكثير من التساؤلات والاعتراضات حول خدمات الكتابة بالنيابة، وقد يصل بعضها إلى حد الاتهام:

  • "هذا احتيال وغش وتزوير!"
  • "كذب وسرقة عيني عينك!"
  • "هذا ليس تحرير ولا مساعدة! أنتم عملتم كل شيء، وسلمتم العمل لشخص آخر ليكتب اسمه عليه ويدّعي أنه عمله وكتابته!"
  • "لا أريد خداع الناس.. أريد أن أكتب كتابي بنفسي!"

وهذه الاعتراضات مفهومة ومتوقعة؛ لأن كثيرًا من الناس لا يعرفون طبيعة الكتابة الاحترافية، ولا يدركون أنها مهنة قائمة بذاتها، تتطلب -مثل سائر المهن- أدوات ومهارات لا تُكتسب إلا بالتعلم والممارسة، يوظفها الكاتب لإنجاز عمله وإخراجه في أفضل صورة ممكنة، وهذا يفسر لمَ قد يصعب على غير الكاتب المتخصص تحويل معرفته وتجربته إلى كتاب محكم لعامة القرّاء، مهما بلغ من النجاح في مجاله واختصاصه.

ولو أن رئيسًا لشركةٍ أدار آلاف الموظفين، وقاد مشاريع بملايين الريالات، وانتصر في جولات مفاوضات شديدة التعقيد، وقضى عقودًا في تنمية الأعمال ورفع المبيعات، وامتلك المعرفة العميقة والخبرة النادرة في عمله، وكان -على الأرجح- مشغولًا دائمًا لا يجد الوقت للكتابة، ولا يملك -رغم ذلك- أدوات الكاتب؛ فقد يعجز عن نقل معرفته وخبرته للناس.

الأمر ذاته ينطبق -غالبًا- على كل إنسان يملك فكرة أو قصة أو تجربة يرغب في مشاركتها:

  • اللاعب الذي حقق انتصارات كبرى في رياضته، ورفع الكؤوس، وحصد الميداليات الذهبية، وقضى حياته يجري ويناور ويتدرب، قد يملك قصةً ملهمة، لكنه لا يملك أدوات الكاتب.
  • الفتاة التي ابتكرت وصفات طبخٍ مذهلة، وقضت أوقاتها في المطبخ تراقب المكونات وهي تمتزج وتتبدل أشكالها وألوانها وروائحها، حتى تتحول -بطريقة شبه سحرية- إلى طبق شهي لا يُقاوم؛ تمتلك معرفةً ثرية، ووصفات جديدة تستحق أن تُنقل، لكنها لا تعرف كيف تبني خطةً لكتاب.
  • الشاب الذي مر بموقفٍ مؤلمٍ أو خرج من علاقة مريرة، قد تحمل تجربته ما يواسي الآخرين ويضيء لهم الدروب، لكنه لا يعرف كيف يرويها.
  • الضابط الذي يراقب المعركة ويتخذ قراراته في لحظات حاسمة، والطبيب الذي راكم خبرة عقودٍ من علاج الناس، والأم التي راقبت أولادها يكبرون أمام عينيها، وحتى الإنسان العادي الذي خطرت بباله ذات يوم فكرة خلعت لبّه وأدهشت عقله فأراد إخبارنا عنها، والشيخ الذي اشتاق لوالديه وأراد أن يخلّد قصصهما؛ كل هؤلاء يملكون شيئًا جديرًا بأن يُروى، وإن لم يمتلكوا أدوات الكاتب.

فهل تفقد أفكار هؤلاء وتجاربهم ومآسيهم قيمتها لمجرد أنهم لا يملكون أدوات الكاتب؟ أليست جديرة بتدوينها وتوثيقها؟

ربما يتصور البعض أن الكتابة موهبة تُمنح لأناس دون غيرهم، وأن الكاتب هو شخص شاعري يملأ الصفحة البيضاء بكلام أدبي أنيق يتدفق بسهولة واسترسال، معتمدًا على ذاكرته وذائقته وحدهما، من غير حاجة إلى مُعجم ولا مصدر، ومن غير استعانة بتقنيات وأساليب الكتابة المدروسة.

وهذا غير صحيح، الكتابة مهنة لها أدواتها ومهاراتها وليست مجرد رسم الحروف والكلمات، والكاتب المحترف هو من يستطيع تحويل الأفكار المبعثرة والقصص التي لم تجد بناءها المناسب إلى نصوص جاذبة ومنظمة، تصل إلى عقول الناس وقلوبهم، وتنقل المعرفة والشعور بأوضح وأبلغ ما يكون.

والاستعانة بمن يُحسن الكتابة ليست ممارسة حديثة، بل عرفتها مجتمعات كثيرة منذ قرون، وعرف التاريخ العربي والإسلامي كتّاب الرسائل والخطب ودواوين الإنشاء وكتّاب السر، وصار للكتابة الإدارية والسياسية أهل يتقنون لغتها وأساليبها، وفي عصور لاحقة، كان كتّاب العرائض يقيمون مجالسهم عند أبواب الخلفاء أو الأمراء أو الوزراء، وكان ذوو المظالم يقصدونهم ليشرحوا لهم مظالمهم ومآسيهم ومطالبهم بلغة عامية عاطفية، فيعيد الكاتب ترتيب القصة المبعثرة، ويفصل بين الرغبات والحقائق، ويستخدم أعذب الألفاظ وأرقى التعابير، ليجعل المظالم أقدر على الوصول إلى الأمير وأسرع إلى الفهم على وجهها الصحيح.

ولا يقتصر الأمر على التاريخ العربي والإسلامي، بل وُجدت الكتابة بالنيابة في دول وحضارات وثقافات أخرى، وما هذه الممارسات إلا دليلًا على أن الكتابة بالنيابة أمر حاسم في نقل الأفكار وإيصالها للجمهور المستهدف.

ففي الولايات المتحدة أصبحت الكتابة الخفية صناعة احترافية تعمل فيها شركات متخصصة تخدم المؤلفين والقادة والمديرين التنفيذيين والشخصيات العامة، وليس أدلّ على احترافية هذه الصناعة من شركة كيفن أندرسون وشركاه، التي أسهم كُتّابها ومحرروها في إنجاز كتب وصلت إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، ومنها أكثر من 200 كتاب تصدّر قائمة نيويورك تايمز، وشركة غوثام غوست رايترز التي تذكر أن رؤساء الولايات المتحدة والمديرين التنفيذيين لأكبر 500 شركة أمريكية من حيث الإيرادات السنوية وظفوا كُتّابًا بالنيابة بشكل روتيني؛ ما يؤكد أن الكتابة بالنيابة ممارسة راسخة في صناعة النشر العالمية.

ومن هنا يمكننا أن نعود للإجابة على سؤال المقال: هل الكتابة بالنيابة تزوير؟

لو جاءنا إنسان يحمل من القصص والرؤى ما يُدهش ويُحيّر، ثم استعان بنا في "أبان" لنحوّلها إلى كتاب محكم الصياغة والبناء، فلمن يُنسب الكتاب؟ ألصاحب التجربة والفكرة، أم للكاتب الذي تولى ترتيبها وصياغتها؟

وهل تصبح أفكار الإنسان وتجاربه وذكرياته وآراؤه ملكًا للكاتب بالنيابة لأنه أعاد صياغتها في نص أجمل وأكثر تماسكًا؟

في الكتابة بالنيابة، المؤلف هو صاحب الفكرة والتجربة والمضمون، وإليه يُنسب العمل؛ أما الكاتب الخفي فهو المحترف الذي نقل النص إلى صورته المكتوبة، مستعينًا بأدواته في البحث والبناء والتحرير، وقد اشترك الطرفان في صناعة الكتاب، لكن لكلٍّ منهما دور مختلف: أحدهما قدّم المادة والروح، والآخر منحها البنية واللغة التي تصل بها إلى القارئ.

لا تكون الكتابة بالنيابة تزويرًا متى قامت على تجربة حقيقية، واتفاق واضح، ولم تُستخدم لانتحال علمٍ أو كفاءة، أو للحصول على استحقاق يشترط أن ينجز صاحبه العمل بنفسه؛ إذ يتحول الأمر إلى احتيال وتزوير حين يبيع صاحب التجربة تجربته لشخص آخر ليدّعي أنها له، أو حين ينسب إنسان إلى نفسه أحداث لم يعشها، وقصصًا لا تخصه، وآراء لا يؤمن بها، ومعارف لم يختبرها، ثم ينشرها في كتاب يحمل اسمه.

هذا خداع صريح، نعم، في "أبان" لا نفعل ذلك، لن ننسب إليك فكرة لا تخصك، أو رأيًا لا تؤمن به، أو هوية لا تمثّلك. مَهمتنا أن نصغي إليك، ونفهم تجربتك ورؤيتك وأسلوبك، ثم نعيد بناء أفكارك وقصصك لتتحول إلى كتاب حقيقي يشبهك، ويحمل صوتك، ويعبّر عنك بأفضل صورة ممكنة.

ولا نقدّم خدمات الكتابة بالنيابة في الأبحاث والأعمال الأكاديمية والعلمية التي يُشترط أن ينجزها صاحبها بنفسه، لأن ذلك يتجاوز المساعدة المهنية إلى الإخلال بالأمانة العلمية.

كما أن "أبان" لا تحصل على أي نسبة من عوائد مبيعات كتابك؛ فالكتاب وحقوق ملكيته الفكرية ومكاسبه لك بالكامل، لا نأخذ منها ريالًا واحدًا مهما بلغت من النجاح والانتشار، ولا نشترط أن يُشار إلينا في الكتاب، ولا أن يوضع شعارنا أو يذكر اسمنا.

إن اللجوء إلى الكاتب الخفي لا يعني أن صاحب الفكرة فشل في الكتابة؛ فالكتابة ليست مَهمته أصلًا، ولا يُطلب منه أن يصبح كاتبًا محترفًا حتى يشارك الناس خبرته، بل يكفي أن يمتلك تجربةً حقيقية، أو معرفةً نافعة، وبالكتابة بالنيابة، تتحول هذه المادة إلى أثر مكتوب يصل إلى جمهور أوسع، وقد يصنع لصاحبه حضورًا وانتشارًا وعائدًا، ففي النهاية، تكمن قيمة الكتاب في صدق الفكرة والتجربة والموقف الذي يعبّر عنه صاحبه، وفي أن يعكس ما يؤمن به وما عاشه وما يعرفه فعلًا.